هذا العيد لن يكون كسائر الأعياد بالنسبة لحفصه، حيث استجاب الله لدعوات ظلت تسكن لسانها منذ أزيد من 20 سنة.

تعود فصول القصة إلى منتصف عام 2003، تحديدا مع بدايات العطلة الصيفية، حين خرجت حفصة رفقة طفلتها ميمونة إلى سوق السبخة بنواكشوط لشراء بعض الحاجيات والهدايا لأصهارها، الذين ستزورهم بعد مضي نحو 9 أشهر على آخر زيارة لهم.

حينها كانت حفصة في الثامنة عشرة من عمرها، ترافقها طفلتها الوحيدة ميمونة ذات الثلاث سنوات، والتي تمسك بطرف ملحفتها وتشد حفصة على يدها في الازدحام..

أخذت حفصه تقتني حاجياتها من مواعين منزلية وأغطية وملابس، وبينما هي منهمكة في انتقاء بعض الملابس المستعملة لصغيرتها حدث ما لم ترتب له ولم تضعه في الحسبان..

الصغيرة ميمونة رأت على بعد عدة أمتار طاولة صغيرة تجلس بجانبها فتاة تبيع بعض المعجنات المحلاة  ، المعروفة ب”بنيه”، وأخذت تلح على والدتها ببراءة طفولية لتشتري لها منها، غير أن توسلاتها المتلعثمة باءت بالفشل مع انهماك الأم في انتقاء الملابس، خصوصا وأن نسوة حول البائع ينافسنها في ذات الغرض، فهي في سباق مع الجديد من القطع في”البالوطة”..

وبعد أن يئست ميمونة من الاستجابة لطلبها سارت بخطى حثيثة نحو الطاولة، في لحظات قدر لها أن تكون بداية الفاجعة..

خطوات تليها أخرى، وبها تقترب ميمونة من الطاولة في غفلة من حفصة، التي حال بينها مع ابنتها زحام المارة الخانق، خصوصا وأنها آيام عيد..

بعد برهة من الالتفات يمنة ويسرة، آ

ألقت حفصة بمقتنياتها لدى أقرب محل، ثم أخذت تبحث بقلبها قبل عينيها عن صغيرتها التي ضاعت في الزحام..

وبسرعة لا تقل عن حجم صدمتها بادرت باستجداء المارة، الذين تعاطف معظمهم مع دموعها وعبراتها التي خنقتها وهي تسأل عن طفلتها الصغيرة التي لا تملك من صورها سوى أنها”طفلة في عامها الثالث ترتدي فستانا ورديا بصدر أبيض وحذاء من الريه أخظر نعناع”..وكلما نفى لها شخص رؤية صغيرتها أوشكت على السقوط أرضا..

تتالت الساعات كالقرون وحفصه تبحث وتبحث وتجوب الشوارع وتطوي الأرض ، لتهتدي أخيرا إلى فكرة البلاغ، وفعلا؛ أبلغت المفوضية، وعادت إلى حيث أخر لحظات اكتحلت فيها عيناها بفلذة كبدها.. تتحسس الوجوه علها تجد خبرا، وتتفحص الأرض، عساها ترى أثرا..

لم تمر الأيام كالأيام، بل تفننت في نحت وجع الانتظار في قلب و وجه حفصه وذويها، الذين لم يكن أشد لهم إيلاما من فقد الصغيرة سوى الحالة الجامدة والشرود الدائم، اللذين آلت إليهما حال الشابة الثكلى..

أضف تعليق

الأكثر رواجًا