شهدت موريتانيا منذ نهاية عام 2020 تطورا ملحوظا على الأصعدة السياسية والديبلوماسية والأمنية و الاجتماعية. وفي سياق إقليمي عام تطبعه الأزمات الأمنية والتوترات الجيوسياسية و أنواع الهشاشة الاقتصادية والتحديات الاجتماعية، اقرت السلطات العمومية اتخاذ سلسلة من الإصلاحات والمبادرات التي تعبر عن إرادة لا تلين على تقوية الدولة وتعزيز الوئام الوطني و تحسين الظروف المعيشية للسكان.
وهكذا، وبإيعاز من صاحب الفخامة السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، قامت موريتانيا تدريجياً ببناء صورة لدولة مستقرة ذات مصداقية ومحترمة على الساحة الدولية، مع مواصلة سياسات عامة ذات بعد اجتماعي واضح.

ديبلوماسية موريتانية في أوج ألقها

يظل أحد أبرز أحداث هذه السنوات الأخيرة بلا شك تألق الدبلوماسية الموريتانية. وبفضل نهجها لسياسة خارجية متوازنة قائمة على الحوار والاعتدال واحترام الشراكات الاستراتيجية، عززت موريتانيا حضورها في العديد من المنظمات الإقليمية والدولية.
وقد جاء تعيين العديد من الإداريين والوطنيين الموريتانيين في مناصب المسؤولية داخل الهيئات الأفريقية والعربية والدولية ليُبرز المصداقية المتزايدة للبلد والثقة الممنوحة لكفاءاته. وابرزت هذه الديناميكية الدبلوماسية ليس فقط جودة العلاقات القائمة مع الشركاء الدوليين، بل أيضًا قدرة موريتانيا على الدفاع عن مصالحها الاستراتيجية مع المساهمة النشطة في المحافل الدولية الكبرى المتعلقة بالأمن والتنمية والسلام والتعاون الإقليمي.
كما أن رئاسة موريتانيا لعدة مؤسسات أفريقية وإقليمية أتاحت للبلد ان يلعب دور الوساطة والاستقرار في منطقة الساحل والصحراء التي تواجه تحديات متعددة الأبعاد.

الاستقرار الأمني أصبح نموذجاً في شبه المنطقة

في الوقت الذي واجه فيه العديد من بلدان الساحل تدهورًا مستمرًا في أوضاعها الأمنية، تميزت موريتانيا اليوم بكونها مثالا على الاستقرار والسيطرة على الأمن.
و كانت هذه الإنجازات ناتجة عن رؤية استراتيجية متبصرة سمحت بتحديث قوات الدفاع والأمن وتعزيز القدرات العملياتية وتحسين تنسيق أجهزة الاستخبارات وتأمين الحدود الوطنية.
و بفضل نهج مقاربة تقوم في نفس الوقت ذاته على الوقاية واليقظة واحتراف القوات المسلحة والتعاون الإقليمي، نجحت موريتانيا في الحفاظ على أراضيها من الانحرافات الأمنية الخطيرة التي كان لها بالغ الأثر على العديد من الدول المجاورة.
وقد شكل هذا الاستقرار اليوم عاملاً أساسياً في جاذبية الاقتصاد وثقة المستثمرين والحفاظ على السلم الاجتماعي. كما يمثل أيضاً مكسباً رئيسياً للمواطنين، في منطقة أصبح فيها انعدام الأمن أحد العوائق الرئيسية أمام التنمية.

سياسة اجتماعية أكثر توجهاً نحو الفئات الهشة

على الصعيد الاجتماعي، شرعت السلطات العمومية في عدة برامج تهدف إلى دعم الفئات الأكثر هشاشةً وإلى تقليص الفوارق الاجتماعية.
وفي هذا الإطار، تلعب المندوبية العامة للتآزر دوراً مركزياً من خلال تنفيذ العديد من برامج المساعدة الاجتماعية ودعم الأسر الفقيرة وتمويل المشاريع المدرة للدخل والولوج إلى السكن الاجتماعي ومكافحة الفقر.
لقد سمحت تدخلات هذه المؤسسة بتقديم دعم ملموس لآلاف العائلات من خلال أشكال مختلفة من المساعدات الاقتصادية والاجتماعية، وخاصة في المناطق الأكثر حرمانًا في البلاد. وجاءت السياسات الاجتماعية المعتمدة تعبيرا عن الإرادة في قيام تنمية أكثر شمولا لكونها تقوم على التضامن الوطني والتحسين التدريجي لظروف حياة السكان.

تسوية وضعية موظفي وسائل الإعلام العمومية:

طفرة اجتماعية كبيرة
من بين الإصلاحات الاجتماعية البارزة يجدر التنويه بتسوية أوضاع موظفي قطاع الاتصال والإعلام العمومي.
و سمح هذا الإجراء بتصحيح وضعية طالما تميزت بالهشاشة المهنية وبغياب الاستقرار الإداري بالنسبة للعديد من العاملين في القطاع.
ويعد كل من المسارات المهنية الآمنة وتحسين ظروف العمل والاعتراف بحقوق الموظفين من التقدمات الهامة في مجال أساسي لتعزيز الديمقراطية وحرية التعبير وتحديث الخدمة العامة للمعلومات.
كما أن تسوية وضعية الموظفين هذه تعكس أيضًا الرغبة في تثمين المصادر البشرية الوطنية وتعزيز احتراف القطاع الإعلامي.

صندوق إسكان المعلمين: اعتراف بالدور الاستراتيجي للتعليم

يعد إنشاء صندوق الإسكان لفائدة المعلمين أحد الإجراءات الاجتماعية الأكثر أهمية التي تبنتها السلطات العامة في الآونة الأخيرة.
وتهدف هذه المبادرة إلى تحسين ظروف معيشة المعلمين وتعزيز استقرارهم الاجتماعي والمهني من خلال تيسير استفادتهم من السكن اللائق. وقد سمحت العمليات التمويلية الأولى لمئات المعلمين بالاستفادة من دعم مالي معتبر.
وتندرج هذه الآلية ضمن رؤية أوسع لإنصاف الهيئة التعليمية وإصلاح النظام التعليمي الوطني. وترى السلطات من الآن فصاعدا أن تحسين جودة التعليم يتطلب أيضًا تحسين الظروف الاجتماعية للقائمين على التربية..
وفضلا عن بعده المادي، يشكل هذا الصندوق اعترافاً برمزية الدور المركزي للمعلمين في تكوين أجيال المستقبل وفي بناء الأمة.

المدرسة الجمهورية: أداة للعدالة والتماسك الاجتماعي

يمثل إصلاح..المدرسة الجمهورية أحد المشاريع الهيكلية الأكثر طموحا التي تم الشروع فيها في السنوات الأخيرة.
فمن خلال هذا التوجه، تعمل السلطات العامة على بناء مدرسة قائمة على تكافؤ الفرص وعلى الوحدة الوطنية و تشجيع الاستحقاق وتعزيز التماسك الاجتماعي بين مختلف مكونات المجتمع الموريتاني.
وتهدف المدرسة الجمهورية بشكل خاص إلى إزالة الفوارق التعليمية وتعزيز القيم المدنية وخلق فضاء مشترك للتعليم يشجع على العيش المشترك والوحدة الوطنية.
ويجسد هذا الإصلاح قناعة راسخة بان المدرسة تظل أحد أبرز الأدوات لبناء مجتمع أكثر عدلاً وتوازناً وتضامناً.
وإذ تضع موريتانيا التعليم في صدارة سياساتها العامة، فإنما تستثمر أيضا في رأس مالها البشري وفي تحضير أجيال المستقبل لمواجهة تحديات التنمية الحديثة.

ديناميكية تحول يجب تعزيزها

وتدل مختلف الإنجازات التي تحققت في المجالات الديبلوماسية والأمنية والاجتماعية والتعليمية على تبني ديناميكية للتحول التدريجي للدولة الموريتانية نحو الأمام.
وبطبيعة الحال، لا يزال هناك العديد من التحديات لا سيما في مجال التوظيف والتنمية الاقتصادية والحوكمة الإدارية والنهوض بمستوى الخدمات العامة. ومع ذلك، تدل الإصلاحات التي تم الشروع فيها على وجود إرادة سياسية موجهة نحو الاستقرار والتقدم الاجتماعي وتعزيز التماسك الوطني.
وفي هذا الوسط الإقليمي بالغ التعقيد، تبين أن موريتانيا قد اختارت اليوم إعطاء الأولوية للاستقرار المؤسسي والتضامن الاجتماعي والاستثمار في رأس المال البشري كأدوات أساسية لتنميتها المستقبلية.
تيام زكرياء
عضو المجلس الوطني لحزب الإنصاف

أضف تعليق

الأكثر رواجًا