قد يكون المتقاعد عبارة عن ورقة سقطت من حسابات الزمن أو من كشف رواتب الموظفين المنتظمين في العمل، لكنه شخص مكبل بالالتزامات التي تلف حوله الحبال من كل جانب.

في الضفة الأخرى تبرز علاقاته الكثيرة في التلاشي بشكل تدريجي وكأنه طائرة ركاب تهبط في مدرج المطار في آخر رحلة لها في الخدمة، المتقاعد لن يتبقى في رصيده سوى الذكريات التي ينفضها من أغصان الشجر المثمر قديمًا، واليابسة هذا اليوم.

من يعتقد بأن التقاعد مجرد مرحلة أخرى للحياة فهو صادق في ذلك، ولكن عليه أن يعي ليس كل رحلة جديدة “سعيدة” فبعض الأشياء لا تتشابه عما سبقها ليس فقط في المكان ولكن في الزمان أيضا.

وليس بمقدور كل المتقاعدين التأقلم مع أوضاع الحياة الجديدة التي تزحف على مدخراتهم – هذا إذا كان هناك مدخرات -، أما الذين يخرجون من بطاقة موظف فهم يواجهون الكثير من العقد التي يجب عليهم حلها حتى يستطيعوا المضي في طريقهم بهدوء.

لا نقول إن التقاعد سيء أو أمر منفر للناس، لكن المتقاعد يحتاج إلى نظرة أخرى من المجتمع والمؤسسات، فبعض الدول تمنح المتقاعدين شيئا من الامتيازات التي تعينهم على تحمل مشاق الحياة وأعباءها، ونحن نسير على خطاهم لكن سقف طموحنا أكبر من غيرنا.

ليس كل الذين يخرجون من الملعب إلى دفة التقاعد قد تجاوزوا عمر الستين عاما، فالتقاعد أصبح متاحا لبعض الفئات خاصة فيما يتعلق بالأمور الصحية أو ممن أمضوا في مجال الخدمة ثلاثين عاما – وهي تجربة سابقة -، ولذا فإن عدم وصول المتقاعد إلى سن الستين لا يمنحهم شيئا جديدا سوى الراتب الذي يقتطع منه الكثير من النسب – حتى وإن كان نظاما عالميا- فهو مجحف.

حتى اليوم هناك الكثير من الموظفين يتمسكون بالعمل حلا لتيسير أمورهم، فليس الكل لديه مشاريعه التجارية أو السيولة التي تمنحه السكون والرضا، الأمر الآخر هناك الكثير من الموظفين ممن خرجوا إلى التقاعد في مرحلة زمنية ماضية يعانون من تراكمات الالتزامات وارتفاع الأسعار، بينما الراتب الشهري لا يزال يراوح مكانه، فلماذا لا يتم النظر في زيادة راتب المتقاعد بشكل سنوي بنسبة معينة حتى وإن كانت بسيطة فإن لها أثرها في نفس المتقاعد.

طالما أن هناك نظرة دائمة في تحسين مستوى الدخل والمعيشة للمواطن فإن مثل هذه الاقتراحات ربما يتم طرحها على طاولة النقاش وقد تجد طريقها يوما إلى التنفيذ.

الأمر الآخر، حياة المتقاعد تتغير تماما بعد اليوم الأخير لوجوده في العمل، فبعض الأشخاص الذين نعرفهم أو الذين تعرفونهم انقطعت أخبارهم، وأصبح الكثير منهم يعاني من جفاء المشاعر مع الآخرين، لم يعد أحد يسأل عنهم أو يذكرهم، وكأن الأرض انشقت وبلعتهم،التقصير ليس ممن خرج إلى التقاعد لكن ممن بقي أيضا في سلم الوظيفة.

إذن المتقاعد تحاصره الالتزامات ولا يجد أي اهتمام له من فئات المجتمع، وكأنه أصبح لا فائدة منه، أعتقد بأنه آن لنا أن نهتم بالمتقاعدين ممن أدوا واجبهم الوظيفي والوطني في عملهم، فنسيانهم هو جزء من هضم حقوقهم علينا، واللمسات الإنسانية والاجتماعية لها أثرها العميق في نفوس المتقاعدين الذين يفتخرون كثيرا بانتمائهم يوما إلى مؤسستهم أو مجال عملهم.

المتقاعد ليس معناه التوقف عن أداء الواجبات تجاه الحياة، فبعض الناس يستمر عطاؤهم بعد التقاعد، لكن يظل المتقاعد بحاجة إلى نوع من الاهتمام والمتابعة والرعاية وهذا أمر لا شائبة فيه، فالعطاء لا ينحصر بعمر معين أو بفترة زمنية محددة.

التقاعد مفهوم واسع لمعنى الحياة الجديدة، الشكل الجديد للحياة في المنزل، المقهى والشارع وأماكن كثيرة، حتى الناس في مفهوم التقاعد له منعطف آخر تسلكه الآن، أعتقد أن أكثر المتضررين من التقاعد هم من وهبوا حياتهم للعمل، بمعنى أنهم مثل السمك إذا خرج من الماء مات.

أضف تعليق

الأكثر رواجًا