من اللافت بل والمثير للاستغراب أن نرى اليوم السيد كان عثمان، وبعد أن شغل أرفع المناصب في الدولة لعقود من الزمن، يتحول فجأة إلى ناقد شرس لنظام كان هو نفسه أحد أركانه البارزين والمستفيدين الأكبر منه.

وزير سابق للمالية، محافظ سابق للبنك المركزي، إداري في الشركة الوطنية للصناعة والمناجم (SNIM)، ونائب رئيس سابق للبنك الإفريقي للتنمية – كلها مناصب تعكس ليس فقط الثقة الكبيرة التي وضعت فيه، بل أيضًا الامتيازات الضخمة التي حظي بها… في صمت. صمت قد يُعتبر متواطئًا، بالنظر إلى تصريحاته الأخيرة.

واليوم، وبعد أن تقاعد وخرج سالمًا من “نظام” يدعي أنه كان فاسدًا وفاشلاً وغير عادل، يكتشف فجأة فضائل النقد والمجاهرة بالحقيقة. ولكن، لماذا جاء هذا الاستفاقة متأخرًا؟ لماذا لم يعبر عن هذه المواقف حينما كان يمسك بزمام السلطة؟ لماذا لم يستقل من مناصبه، إن كان يرى أن الوضع لا يُطاق؟

إن الأخلاق السياسية تتطلب الاتساق، والشجاعة، والوفاء. فمن السهل أن يتنكر الإنسان لما كان يبرره بالأمس، وأن يدّعي الطهرانية بعد أن يكون قد ارتوى من خيرات نفس النظام الذي يهاجمه اليوم. هذا ما يسمى بتبديل المواقف، وهو أمر يلقي بظلال من الشك على نزاهة من يزعم أنه لم يكن راضيًا، لكنه آثر الصمت والامتيازات.

أما إذا كانت هذه المواقف نابعة من خيبة أمل شخصية – كعدم ترشيحه لرئاسة البنك الإفريقي للتنمية – فإنها تفقد كل مصداقية، لأنها لا تعبر عن غضب وطني حقيقي، بل عن مرارة ذاتية وانتقام ضمني.

الشعب الموريتاني ليس ساذجًا. إنه يميز بين النقد الصادق والانتهازية. ويعرف من بقي ثابتًا على مواقفه، حتى في أصعب الظروف، ومن انتظر خروجه من المشهد ليُظهر “جرأته”.

وسيسجل التاريخ ليس فقط ما قاله كل واحد، بل ما فعله عندما كان في موقع المسؤولية.

الأخبار

أضف تعليق

الأكثر رواجًا