المجتمع المدني هو مصطلح يشير إلى كافة الأنشطة التطوعيّة التي تنظّم من قبل مجموعةٍ من الأشخاص، حول قيمٍ وأهداف ومصالح مشتركة، وتتضمن هذه الأنشطة جميع الغايات التي ينخرط بها المجتمع المدني لتقديم الخدمات في عمليّة التأثير على السياسة العامة، أو لدعم التعليم المستقل.
المجتمع المدني مجموعة واسعة من المنظمات غير الربحيّة والمنظمات غير الحكوميّة، والتي تنهض بعبء وثقل التعبير عن قيم واهتمامات الأعضاء الآخرين، وله وجودٌ كبير في الحياة العامة، حيث إنّ تلك الأعباء تستند إلى عددٍ من الاعتبارات الثقافيّة، أو السياسيّة، أو الأخلاقيّة، أو الدينيّة، أو الخيريّة.منظمات المجتمع المدني
منظمات المجتمع المدني هي عبارة عن جمعيّات يقوم بإنشائها عددٌ من الأشخاص، وتقوم هذه الجمعيّات على نصرة قضيّة مشتركة، وتشتمل هذه المنظمات المنظمات غير الحكوميّة، والنقابات العماليّة، والمنظمات الدينيّة والخيريّة، والنقابات المهنيّة، وجميع مؤسسات العمل الخيري، وجماعاتٌ من السكان الأصليين.
على الرغم من تنوع كافة منظمات المجتمع المدني، إلا أنها تتميز بأنها تشترك في استقلالها عن القطاعين الحكومي والخاص من حيث المبدأ على الأقل، وهذه الميزة تسمح لهذه المنظمات بالعمل على الأرض وتقوم بدورٍ غاية في الأهميّة في ظل أي نظامٍ ديمقراطي.مصداقيّة المجتمع المدني
يتم غالباً استخدام مفهوم المجتمع المدني كوصفٍ لتقييم التوازن بين السلطة في الدولة من جهة، وبين التجمعات الخاصة والهيئات من جهةٍ أخرى، وعلى سبيل المثال فإن مبدأ الشموليّة يقوم على إلغاء هذا المجتمع المدني، وبالتالي نمو الأندية، والتجمعات الخاصة، والنقابات العماليّة المستقلة، وجماعات الضغط في عددٍ من المجتمعات الشيوعيّة، بعد انهيار نظام الحكم فيها، ويتم وصف حدوث مثل هذا النمو على أنه عودة المجتمع المدني.
على الرغم من هذا فإن مفهوم المجتمع المدني يرتبط غالباً بعددٍ من الدلالات الأيدلوجيّة والمعياريّة. وفقاً للرؤية التقليديّة الليبراليّة، فإن المجتمع المدني يتسم بالحريّة الشخصيّة، وحرية الاختيار بالإضافة للمسؤوليّة الفردية تجاه المجتمع الذي يعيش فيه الإنسان، وإرادة العطاء لهذا المجتمع، بكل ما لدى هذا الفرد من إمكانيات معرفيّة أو ماديّة.
هذا يعني بأن المجتمع المدني يتيح المجال لجميع الأفراد للقيام بمساعدة الآخرين وتشكيل مصائرهم بأنفسهم، وهذا الأمر يفسر أهميّة وجود مجتمع مدني يتسم بالقوّة والحيويّة وذلك عن طريق تأسيس عددٍ من المنتديات، والجمعيات التطوعيّة، والخيريّة كشكلٍ أساسي للديمقراطيّة الليبراليّة.
أما الاستخدام الهيجلي ( نسبة إلى هيجل الفيلسوف الألماني المعروف ) لمفهوم المجتمع المدني فإنه يظهر النقيض، وذلك من خلال وضعه أنانيّة المجتمع المدني القائمة في الأساس على مواجهة الإيثار الذي يتعزز شكله ضمن إطار كل من الدولةِ والأسرة، وذلك من خلال تعزيز النظرة الطبقيّة في المجتمع.
من ناحيةٍ أخرى فإن الشيوعيين والماركسيين يقومون عادةً بإلقاء نظرةٍ سلبيّة على المجتمع المدني، وذلك عن طريق ربطهم لهذا المجتمع بالهيكل الطبقي غير المتكافئ بالإضافة للمظالم الاجتماعيّة، ومن هنا يقومون بالتبرير لأسباب التخلص من الهيكل القائم للمجتمع المدني كافة، أو العمل على تقليصه عن طريق التوسع في دور الدولة التنظيمي وقوّتها.
ظهر مصطلح المجتمع المدني في قاموس البشرية قديما عند الرومان، ومن ثم اختفى ليعود بعد ذلك الى الظهور في منتصف القرن الثامن عشر الميلادي في اوروبا. نسجت حول المجتمع المدني عدة نظريات تبنتها مدارس ومذاهب سياسية عديدة، كان الاحدث يعرفها على انها «محيط تفاعلات الدولة المستقل». وهي تشير الى العلاقة بين الآيديولوجية والسلطة من حيث مساهمة الافراد في صياغة القرارات بشكل انتقائي وحر.
وتم تبني معاهدة حقوق الانسان، من قبل الجمعية العامة للامم المتحدة عام 1948. وفي رصدها من زاوية الديمقراطية تناشد المعاهدة العالم «بأن تكون ارادة الشعب هي الاساس الذي تقوم عليه سلطة الحكومة»، وذلك بنشر الديمقراطية. والديمقراطية كلمة يونانية الاصل تعني حكم الشعب او مشاركة الاغلبية في الحكم أي ان التطبيق الفعلي لها يعني ايجاد تسوية بين سلطة الشعب والسلطات الموجودة.
يلعب المجتمع المدني دورا حاسما في الديمقراطية، وتصب مساهمته في الديمقراطية في مسارين، الاول، تسيير حركة المجتمع المدني للديمقراطية ومؤسساتها، والثاني، وقاية المجتمع المدني للنظام الديمقراطي والعمل على تحقيق الرفاهية والتقدم، حيث يتم تكريس التغيير في الدولة كاستجابة للقضايا الاجتماعية أولا، وحسب أولوياتها. وغدا المجتمع المدني خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين صوتا قويا في قاموس تطور البشرية وعاملا مؤثرا في الديمقراطية.
المجتمع المدني ليس وحدة متراصة متناغمة، بل يتكون من بوتقة تضم المنظمات الرسمية وغير الرسمية، والاتحادات، والحركات التي تعبر عن وجهات نظر اعضائها ومنتسبيها. فهو وعاء جامع للقوى الحية بوجهات النظر المتنوعة المتوافقة منها والمتضادة، وهو محيط تعبره وجهات النظر والطروحات المتنوعة الهادفة لتحقيق المصلحة المشتركة. ويستمد المجتمع المدني اسباب البقاء برفد الديمقراطية له بأكسير الحياة الهادف لتطويره وتحقيق ذاته. لذلك فالدولة الديمقراطية هي الوحيدة التي تملك نية وقدرة ضمان استقلالية المجتمع المدني. ولكي يعمل المجتمع المدني بكفاءة فإن ذلك يتطلب توفير المناخ الشرعي والذي يمتاز بالشفافية وتمكينه دستوريا من المناظرة الاجتماعية التي تطال كل جوانب الحياة، وانماط المجتمع المدني تكون في المنظمات التجارية والحركات الاجتماعية والمنظمات غير الحكومية والاختصاصيين ورجال الاعمال والاكاديميين ورجال الدين والمعاهد الدينية.
ان التنوع والاختلاف هو جوهر المجتمع المدني الصحي، وبالتالي جوهر الديمقراطية الصحيحة. والمجتمع المدني واجهة الدولة وضميرها الحي ويجب الحفاظ على استقلالية المجتمع المدني لكي لا يطفو كالزبد على سطح المجتمعات ويتلاشى.
ان الارتباط وثيق بين حقوق الانسان والمجتمع المدني والديمقراطية. فالمجتمع المدني خلال تفاعله يتطلب حقوقا دستورية من الدولة لكي يُدير دفة الديمقراطية ومؤسساتها، ولذلك أدوات حقوق الانسان العالمية يجب ان تشكل الاطار المؤلف لمفاهيم المشاركة المحلية والدولية للمجتمع المدني، وكذلك لمسؤولية الحكومات والمؤسسات المتعددة تجاه المواطنين. وهكذا فإن سر قوة المجتمع المدني هي في قدرته على تحقيق الصالح العام المشترك بديناميكية شحذ وتدافع اختلاف الرؤى ووجهات النظر للوصول الى أسلم الحلول.
علق كوفي عنان (السكرتير العام للأمم المتحدة) مرة على «الحبل السُرَي» الواصل بين المجتمع المدني والديمقراطية قائلا «المجتمع المدني النابض بالحياة هو المفتاح لممارسات ديمقراطية ناجعة»، لذلك فإن جينات الديمقراطية الموروثة في المجتمع المدني تشكل القوة المحركة لهذا المجتمع الذي يسعى الى تعريف وتنظيم الحقوق المدنية قاطبة (السياسية، الاجتماعية، الثقافية، الاقتصادية)، وشرط ولادة مجتمع مدني غير مشوه (لا يكون حجر عثرة امام تقدم الدولة)، هو حقن الدولة له بمصل الديمقراطية. ان جدلية العلاقة النفعية المتبادلة التأثير بين الدولة الديمقراطية والمجتمع المدني واضحة، ولكل منهما دوره في تطوير الديمقراطية، فالدولة كما اسلفنا هي الضامنة الوحيدة لاستقلالية المجتمع المدني، ولكنها هي، ايضا، الضامنة والمشرعة لقواعد اللعبة بشكل أوسع، والتي يسبح المجتمع المدني في فلكها، وهذه القواعد هي تفعيل حكم القانون واهميته والحقوق الانسانية والشفافية وغيرها.. لذلك يعي المجتمع الديمقراطي اهمية القانون ويسعى لنشر هذه الثقافة ورفع سويتها بين كل مريديه.
إن المجتمع المدني هو الوكيل الشرعي لمنظومة تطوير الحقوق الانسانية ومطيّته الديمقراطية. وعندما يتناغم تفاعل الدولة مع المجتمع المدني وترفع راية حقوق الانسان، فإن الصيرورة المشرقة للمجتمع تكون مضمونة النتائج. وبقدر ما يغيب او يضعف التزام الحكومة بالديمقراطية تتعثر استقلالية المجتمع المدني، مما يجعلها عاجزة عن القيام بدورها على اكمل وجه.
وتفتح العولمة ديمقراطيات العالم على بعضها بتجاوزها كل تخوم الجغرافيا والسياسة والثقافة والاقتصاد. ويمكن ان تكون المجتمعات المدنية قوة مبدعة لنواة عولمة متساوية، حيث تقوم بعنونة المشاكل التي تواجهها المجتمعات والشعوب امام المجتمع الدولي لايجاد الحلول العادلة، حيث ان العدالة من دعائم المجتمع الديمقراطي وضمانة لحقوق الانسان.
حملت رياح التغيير للعولمة والثورات العلمية التكنولوجية التي شهدها العالم أخيرا، تحديات كبيرة احدثت زلازل في العلاقات بين الدول والشعوب. فالعولمة وطيف الارهاب الكوني والاهتمام العالمي بحقوق الانسان، جعلت الحاجة ماسة لتبني رؤية تحترم حقوق الانسان وتواجه الارهاب وتخلق نوعا جديدا من التوازن. ولتحقيق ذلك اشار كوفي عنان، بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الانسان، الذي صادف يوم 10 ديسمبر 2002، الى ضرور احترام حكم القانون الدولي. وقال «ان هذه القوانين لا تحترم عادة، والقوانين المحلية مُدمرة وتوفر ذريعة شرعية لممارسة انتهاكات لحقوق الانسان الاساسية او خرق للحريات المدنية». وناشد كوفي عنان الدول والمجتمعات والافراد تجديد الالتزام بتطبيق حكم القانون ودعمه وتطويره والدفاع عنه. وكانت رسالة المفوض السامي لحقوق الانسان (سيرجيو فييرا دي ميللو) تصب في القالب نفسه إذ قال: «إن افضل فرصة للمنع والحد والحل والتعافي من الصراع والعنف تكمن في اعادة تزكية حكم القانون والدفاع عنه». فاليوم حقوق الانسان محمية بحكم القانون وهي من سمات المجتمع المدني. وتابع سيرجيو قائلا: «نحن ما زلنا نواجه تحديات عميقة بالنسبة لحقوق الانسان، وادعوكم في هذا اليوم وعلى وجه الخصوص للتفكير في الاعداد الكبيرة من المدنيين الذين يرزحون تحت وطأة الحرب والصراع وهم يعانون الوحشية التي تسيء لضمير الانسانية، فحقوقهم الاساسية المقدسة في شرع القانون الانساني منتهكة، فالملايين منهم من ضحايا الصراعات المسلحة من رجال ونساء واطفال قد قتلوا، شوهوا، اغتصبوا، شردوا، عذبوا، احتجزوا، وصودرت أملاكهم ودمرت ولم يتلقوا أي مساعدات اولية انسانية. وحتى الاطفال اختطفوا، وجندوا واستغلوا وجاعوا واطبقت عليهم الامراض، وعانوا من سوء التغذية، ولم يذهبوا للمدارس. والجريمة الانسانية الكبرى هي انه لم تقض على حاضرهم فقط، ولكن تمت مصادرة مستقبلهم ايضا. لا بد من كسر دائرة العنف، ففي ظل النزاعات المسلحة يتم تجريد الانسانية من كرامتها. اننا ندعو لأن تطبق الاحكام الاساسية لحقوق الانسان والكرامة الانسانية في كل دولة وجماعة مسلحة ومجتمع وكل شركة ومؤسسة. وقد حذرت منظمة حقوق الانسان في تقريرها السنوي من ان الحملة على الارهاب التي تتزعمها الولايات المتحدة الاميركية كانت باعثا على الاعتداءات الانتهازية التي تتعرض لها الحريات المدنية عبر انحاء العالم. وعلق كينيث روث (المدير التنفيذي لمنظمة مراقبة حقوق الانسان) «ان الارهابيين يعتقدون ان كل شيء مباح في سبيل قضيتهم، لكن الحرب ضد الارهاب يجب الا تعتنق هذا المنطق. فمبادئ حقوق الانسان لا يجوز المساس بها باسم أي قضية من القضايا»، وكما قال روث ان الحرب ضد الارهاب لن يكتب لها النجاح اذا تمت لمجرد محاربة فئة معينة من عتاة المجرمين، وان القضاء على الاساس اللااخلاقي للارهاب يتطلب مرتكزا راسخا من المعايير الدولية لحقوق الانسان. فالحرب على الارهاب ليست مسألة أمنية فحسب وانما هي مسألة قيم ايضا.
تحجب الحملة الكونية على الارهاب نور ثقافة حقوق الانسان وتقوض دعائمها، فها هو الغرب يعجز عن كبح جماح الانتهاكات الاسرائىلية ضد الفلسطينيين، ويتجاهل بشكل واضح المعاناة الفظيعة التي يكابدها المدنيون في العراق من جراء العقوبات المفروضة عليه. ورغم ذلك كله يتم التجهيز لصفعة عسكرية بحشد القوات العسكرية الغربية بقيادة اميركا، وبحجة نزع اسلحة الدمار الشامل للعراق لضربه، وكالعادة سيكون الشعب العراقي والمدنيون قرابين مارد الحرب.
إن قوة الحجج القانونية تقوي الارادة الانسانية وتحملها على ان تلعب دورا كبيرا في صراع قوى الشر والطمع. واذا كانت الاعمال الحاسمة هي التي تقرر شكل التاريخ الانساني فإنه على الارادة الانسانية تجنيد وتسخير قوى الخير لتحقيق التوازن الحقوقي، ونشر العدالة، وان يكون الجميع تحت حكم القانون.
أضف تعليق