سيد احمد ابوه / خبير استراتيحيات التنمية

الكويت بلد شقيق لم يتخلف يوما عن مد يد العون لموريتانيا وشواهد ذلك كثيرة عبر تاريخ المشاريع الكبرى بالبلد كما أن أهلها طيبون وجُبلوا على محبة موريتانيا وثقافتها البدوية وأعرف شخصيا وزملائي السابقين بوزارتي الاقتصاد والمالية وبالبنك المركزي ما يكنه مسؤولون كويتيون كبار

تحتوي هذه الصورة على سمة alt فارغة؛ اسم الملف هو sid-ahmb-bh.jpg

كالسيد عبداللطيف الحمد وزير المالية الكويتي السابق والمدير العام ورئيس مجلس إدارة الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي من حب وتقدير لبلادنا واستعداد دائم لمساعدتها وما كان ينبغي أن ندخل معها في إشكال وجدال حول هذا الموضوع منذ بداياته طالما أن سُبل المعالجة الهادئة كانت متاحة فهل تعلمون أن الكويت تملك منذ تأميم ميفيرما وإلى اليوم 7,7 % من رأس مال اسنيم وأنها كانت وراء دخول الهيئة العربية للتعدين ومقرها الأردن في رأس مال اسنيم بنسبة 5,66 %  ولحد  اليوم وهو إضافة لقرض تعويض المساهمين الأجانب في ميفرما كان وفّر سيولة مهمة جدا لشركة اسنيم إبان ميلادها تحت العلم الوطني. كان دور الكويت أساسيًا فلم يكن أمام حكومة المرحوم المختار ولد داداه طيّب الله ثراه من خيار إلا الاقتراض من الكويت ذلك أنه من ضرب الوهم تصور فرنسا تقرضنا لإبعادها عن بقرة ميفرما الحلوب والشيء بالشيء يُذكر فلم يكن أيضا متصورا إقراض فرنسا لنا ونحن نتمرد بالخروج من عبودية الفرنك لغرب إفريقيا. لكن كيف أننا منذ ذلك الوقت أهدرنا عديد الفرص؟ طبعا لا جديد في هذا  فمن غيرنا يمكنه مجاراتنا في رياضتنا المفضلة، رياضة تفويت الفرص. أرى أن موريتانيا فوتت خمس فرص ذهبية لتسوية هذا الملف في حقب ثلاثة من رؤساء البلاد السابقين أطال الله في أعمارهم وأضاعت المرحوم سيدي ولد الشيخ عبدالله وأي فتى أضاعت حين لم يتمكن من ممارسة  الحكم إلا سنة وشهرين من مأمورية عمرها النظري خمس سنوات، لو صبرنا عليه لكان حل هذا المشكل وغيره فللرجل رحمة الله عليه مكانة وسمعة طيبتين لدى الأشقاء الكويتيين ولدى غيرهم من الشركاء.
الفرص المهدورة:
كانت بداية عهد الرئيس محمد خونه ولد هيداله تتسم بتقبل كبير من أشقائنا العرب وخاصة من العراق مسموع الكلمة وقتها حيث كان العراق حليفا وثيقا للكويت ولبقية دول الخليج التي كانت ترى فيه السد المنيع ضد أطماع وطيش الثورة الوليدة في إيران وموّل العراق وقتها كهربة مقاطعات من انواكشوط وأهدانا التلفزيون الوطني وشيّد المستشفى العسكري وثانوية كيفة وموّل استثمارات زراعية بالضفة وكان بإمكانه بكل تأكيد حل مشكل هذا الديْن الزهيد وقتها. ضاعت الفرصة وتقوقع النظام بعد ذلك على نفسه واختار سبيل العزلة والشعبوية.
كان الرئيس معاوية ولد سيدأحمد الطايع على موعد مع فرصتين في هذا الملف، الأولى حين اختار طريق التفاوض مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي حول برنامج الاصلاح الاقتصادي والمالي (1985-1988) بدعم من فرنسا وبمواكبة من بلدان الخليج وأولها الكويت في مجلس محافظي الهيئتين الدوليتين وكانت مديونية الكويت وقتها ليست بالشيء الكبير قيمة لكنه لم يفعل شيئا في هذا الموضوع وبعد ذلك أدارت له فرنسا ظهرها على خلفية أحداث 1989 المؤلمة ولم تجد البلاد ظهيرا إلا عند العراقيين، للأسف اجتاح العراق الكويت مطلع التسعينيات وكان الموقف الموريتاني سلبيا اتجاه الكويت (هل كان للرجل من خيار آخر وقتها؟)، الفرصة الثانية التي وجدها الرئيس معاوية في هذا الملف ولم يستثمرها كانت حين خنقته فرنسا فقرر في لعبة “سياسية” شهيرة قلب الطاولة عليها والتوجه للتطبيع المشؤوم مع الكيان الصهيوني، فكان العرّاب الأمريكي لهذا التطبيع قادرا باتصال واحد على حل موضوع الدين الكويتي نهائيا لأنه كان وراء ولوج موريتانيا ضمن أول بلدين في العالم لمبادرة تخفيف الديون عن البلدان الفقيرة والأكثر مديونية (PPTE ) والتي جنينا فيها أكثر من نصف مليار دولار من محو ديون وتعبئة موارد جديدة، لكن ضاعت الفرصة وأدى التطبيع، مضافا لأمور أخرى إلى تعجيل نهاية حكمه.
كان الرئيس محمد ولد عبد العزيز  على موعد مع فرص عديدة لحل هذا الموضوع خاصة بعد أن أرسى نظامه بعد تسويق ناجح في الغرب ومؤسساته لتسلمه للسلطة كحصن واق من انتشار التنظيمات المتطرفة وهو عزف على وتر حساس في الغرب فلم يستثمر فرصة عودة البلاد إلى المحافل الدولية بعد أن كانت طردت منها بسبب انقلاب 06 أغشت 2008 على نظام المرحوم سيدي محمد ولد الشيخ عبدالله. بعد ذلك حاول اقتناص فرصة كانت سيئة التحضير في نهاية ابريل 2019 حين زار الكويت ووقعت موريتانيا مذكرة بالأحرف الأولى على معالجة إشكالية الدين عبر طريق الاستثمارات لكن إعلامنا الرسمي قدّم الأمر في ثوب إعفاء من الكويت لديونها على البلاد وبدأ ينشر خطابا دعائيا عن نصر غير موجود ما أحرج الكويتيين ودفعهم لنشر توضيح وتكذيب على صفحة وزارة المالية الكويتية باتويتر بتاريخ 25 ابريل 2019 فبسبب تعويضات العراق الملزمة له دوليا للكويت بعد الاجتياح أصبح أي حديث عن إعفاء للديون يكتسي حساسية مفرطة في الكويت ثم إن هذا البلد الشقيق يتمتع بنظام سياسي نيابي مبني على ديمقراطية عريقة في المنطقة  وتتسم بالحيوية وتعدد إسقاط الحكومات بملتمسات الرقابة وحجب الثقة وللأسباب المذكورة أعلاه لم يعد من اختصاص الحكومات إعفاء الديون إلا بتزكية من البرلمان وهو غالبا برلمان متشعب التخندقات، مرة أخرى كنا في موقف من يُحرج صديقه ثم إن هذه المبادرة لم تكن لتنجح أبدا  لأنها جاءت في الوقت بديل الضائع على لغة أهل كرة القدم إذ يخشى المستثمرون والشركاء والدائنون غالبا  من تبعات تغير نظام الحكم في البلدان الإفريقية وقطعا كان ينبغي أن تحصل معجزة لتشطب الكويت ديونها عن بلد لا يزال لنظام الحكم فيه أقل من شهرين من مأموريته الثانية.
في التدوينة الرابعة والأخيرة المنشورة غدا إن شاء الله حول هذا الموضوع سأستعرض معكم حظوظ السلطات الحالية لإحداث اختراق حقيقي في هذا الملف وقراءتي لاحتمالات التسوية والفرص العملية المالية والاقتصادية والشراكات التي يمكن أن تكون مطروحة على طاولة المفاوضين لحل هذا الإشكال نهائيا.

أضف تعليق

الأكثر رواجًا